Publications /
Opinion

Back
السياسة الصناعية الجيوسياسية غير الفعّالة
Authors
Justin Yifu Lin
Pepe Zhang
March 3, 2022

مقال نشر للمرة الأولى على موقع بروجكت سيندكايت

 

واشنطن - تُثير موجات نقص الإمدادات الناجمة عن اندلاع الجائحة المخاوف بشأن الأمن القومي في الاقتصادات المتقدمة. ونظرًا إلى شعورهم بالقلق إزاء الاعتماد المفرط على التصنيع الصيني، اقترحت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان مبادرات لنقل الإنتاج. وهم ليسوا بمفردهم. تكتسب عملية إضفاء الطابع الجيوسياسي على الصلة بين التجارة والصناعة والأمن المزيد من الزخم في العالم النامي أيضًا. ومن غرب البلقان إلى أمريكا اللاتينية، ترى الحكومات فرصة اقتصادية ضخمة في مرحلة ما بعد نهاية فيروس كوفيد 19 في إعادة التصنيع ونقل الإنتاج إلى مناطق أقرب.

ومع ذلك، قد تكون مثل هذه الطموحات مُفرطة في التفاؤل. على الرغم من تراجع معدل انتشار التصنيع في الوقت المناسب، يبدو أن الصادرات الصينية قد تعززت بعد مرور عامين على اندلاع الجائحة، وذلك بسبب المرونة النسبية في جانب العرض والتحول (ربما المؤقت) في الطلب العالمي من الخدمات إلى السلع. علاوة على ذلك، تُشير المؤشرات المُبكرة إلى أن معظم دول أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، لم تتفوق بعد على الصين أو غيرها من الدول الآسيوية المُصدرة في سوق الولايات المتحدة، على الرغم من إمكانيات المنطقة كموقع قريب لإعادة التصنيع خلال أزمة فيروس كوفيد 19 وخفض أو حتى عكس مزايا تكاليف العمل التي تتمتع بها الصين مقارنة بالمكسيك والبرازيل.

لقد تبين أن إعادة تشكيل سلاسل التوريد أكثر تعقيدًا مما كان مُتوقعًا في مستهل الأمر. إن إزالة الأنماط الإنتاجية الدولية التي دامت ثلاثة عقود من الزمان - والتي استفادت منها آسيا بشكل خاص - سوف يتطلب أكثر من مجرد جغرافيا مواتية، أو ومدخرات جزئية في التكاليف، أو توفير حوافز سياسية واقتصادية غير مسبوقة.

أولاً، يتعين على الحكومات التي تأمل إعادة التصنيع ونقل الإنتاج إلى مناطق أقرب العودة إلى الأساسيات الاقتصادية. وفي غياب التحسن المُستمر للعوامل الأساسية المحلية - بما في ذلك استقرار الاقتصاد الكلي، واليقين والبساطة على الصعيدين التنظيمي والقانوني، والهياكل الأساسية المادية، والتعليم والمهارات، والإنتاجية والابتكار، وتشجيع وتيسير الصادرات - سيكون اهتمام المستثمرين ضئيلاً وقصير الأجل. تُشكل المؤسسات والسياسات العامة الفعالة أهمية بالغة لحماية هذه المبادئ الأساسية.

ثانيًا، يجب أن تكون الحكومات واقعية ودقيقة في اختيار "الفائزين"، بالاعتماد على تقييمات دقيقة للمزايا النسبية القائمة أو الكامنة. يُهدد الدعم المتهور للشركات غير القابلة للاستمرار بتشويه المنافسة المحلية والدولية واستبعاد مستثمري القطاع الخاص. كما أنه ينطوي على تكلفة بديلة هامة، نظرًا للقيود المفروضة على الميزانية في الوقت الحالي، لاسيما في العديد من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط (LMICs). ومن المرجح أن يؤدي التركيز الهائل على التصنيع البديل للواردات، كما حدث في أمريكا اللاتينية في الربع الثالث من القرن العشرين، إلى التوزيع غير الفعال للموارد مقارنة بالنجاح الطويل الأجل.

ثالثًا، يظل التكامل الإقليمي أداة قوية لتحفيز التجارة والقدرة التنافسية الاقتصادية والانفتاح  وتحديد المعايير على نطاق أوسع. لنأخذ على سبيل المثال اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تقودها رابطة دول جنوب شرق آسيا، والتي دخلت حيز التنفيذ هذا العام. لا تُعتبر الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة الآن أكبر كتلة تجارية على مستوى العالم فحسب، والتي تضم ما يقرب من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ كما أنها تُمثل مرحلة بالغة الأهمية نحو تنسيق "مجموعة" اتفاقيات التجارة الحرة في آسيا.

وعلى نحو مماثل، من خلال خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية والسماح بإجراء إصلاحات سياسية تكميلية أخرى، يمكن لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) التي مضى عليها عام واحد أن تنتشل 30 مليون أفريقي من براثن الفقر المدقع بحلول عام 2035. وعلى الصعيد العالمي، سوف يستمر الطلب على المزيد من التكامل والتنسيق الاقتصاديين الأوثق بعيدًا عن التجارة في الارتفاع - من خلال "الاتفاقيات التجارية العميقة" التي تعمل على مواءمة تدابير حماية الاستثمار، ومعايير العمل والبيئة، وحقوق الملكية، وعن طريق مبادرات مثل الحد الأدنى للضريبة العالمية على دخل الشركات الذي أقرته مجموعة السبع.

رابعًا، بالإضافة إلى الاستفادة من الدروس القيمة المُستخلصة من دليل السياسات الصناعية "القديم"، يجب على الحكومات أن تولي اهتمامًا وثيقًا بالفرص والتحديات الجديدة. على سبيل المثال، في حين تعمل رقمنة التجارة عبر الحدود (على وجه التحديد في البرمجيات والعمليات التجارية) على إزالة حواجز الدخول وتقليل تكاليف تطوير قطاعات التصدير بأكملها، فإن زيادة الوعي البيئي ومعايير الامتثال الجديدة (مثل آلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي) من شأنها أن تدفع الشركات المُصنِّعة لتصبح قادرة على المنافسة الخضراء.

وأخيرًا، سوف تتطلب عملية صنع السياسات التطلعية في هذا السياق الإجابة على بعض الأسئلة الصعبة التي تتجاوز السياسة والجغرافيا السياسية. وفي الأمدين القريب والمتوسط​​، هل تُشكل إعادة التصنيع أو نقل الإنتاج إلى مناطق أقرب حقًا فرصة كبيرة كما يدعي بعض الخبراء، أم يتعين على الحكومات التركيز على أولويات أخرى؟ وعلى المدى البعيد، ما هو نوع التصنيع والسياسة التجارية الذي سيكون أكثر فائدة ووضوحًا في المستقبل؟

بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، يكمن التحدي الرئيسي في التغلب على ما يطلق عليه الخبير الاقتصادي الأمريكي آدم بوسن "الاعتماد المُفرط على وظائف التصنيع". تُشكل وظائف التصنيع التقليدية أهمية سياسية، ومع ذلك من غير المرجح أن تنمو حصتها من إجمالي العمالة في البلدان ذات الدخل المرتفع. ولذلك، فإن الأمر يتطلب اكتساب وتحسين المهارات لإلغاء التعديلات التي قد تطرأ على سوق العمل في نهاية المطاف. قد تكون القطاعات البالغة الأهمية مثل أشباه الموصلات والأدوية من بين القطاعات القليلة التي يمكن أن تستفيد بشكل فعال من إعادة التصنيع - وهي عملية تتضمن العديد من المقايضات لكل حالة على حدة بين التكلفة والمرونة.

أما بالنسبة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، يجب أن تعمل مزايا تكاليف العمالة، والبنية التحتية المُعززة، وتقليص سلاسل القيمة العالمية على خلق الفرص مع مرور الوقت، لاسيما مع تحول الصين نحو إنتاج أكثر تطورًا وذو قيمة مضافة أعلى. ومع ذلك، سوف يعتمد مدى قدرة البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على تحويل هذه الفرص إلى استثمارات حقيقية ومكاسب في مجال التصدير على فهم ومراعاة المبادئ الأساسية. قد يكون هناك تباين كبير فيما بين البلدان والمناطق ومراحل التنمية. كما يمكن أن تُشكل الروبوتات والأتمتة تحديًا من خلال نقل بعض عمليات الإنتاج إلى البلدان المتقدمة.

يتمثل سؤال رئيسي آخر يُطرح على البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في ما إذا كان نموذج النمو القائم على التصنيع والذي يتطلب عمالة كثيفة ويقوم على التصدير والذي نجح في تحقيق مصالح اقتصادات كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونغ كونغ (النمور الآسيوية) سيظل فعالاً بما فيه الكفاية بالنسبة للاقتصادات الأخرى بعد 20 سنة أو أكثر من الآن. وفي هذا النقاش الحاد، يجادل المتشككون في أنه مع توقف أو تراجع المساهمات في النمو العالمي من التجارة، فقد تكون هناك حاجة إلى إعادة النظر في سياسات النمو القائمة على التصدير.

ومع ذلك، حتى المُتشككون يتفقون مع ثلاثة تقييمات أساسية: فمن غير المرجح أن يحدث تغيير شامل بين عشية وضحاها؛ وسوف يظل التحديث الصناعي ونمو الإنتاجية - في مجال السلع أو الخدمات - أمرين أساسيين. وحتى بالنسبة للشركات المُصنعة التي تخدم السوق المحلية بشكل حصري (أو التي من غير المرجح أن تُصبح شركات مُصدرة)، فإن الروابط الإنتاجية مع الموردين في المراحل السابقة أو الشركاء في المراحل التمهيدية لن تختفي تمامًا.

وبالنظر إلى المستقبل، يجب أن تشكل هذه الاعتبارات، وليس إضفاء الطابع الجيوسياسي على سلاسل التوريد، مصالح الحكومات وأولوياتها في مجال السياسة الصناعية. وفي سياق متناقض يتمثل في تدهور الأوضاع المالية وزيادة الإعانات المالية في مختلف أنحاء العالم، هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى لوضع سياسات واضحة ودعم هادف قائم على الأداء، لاسيما في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

تُعد الآمال في إعادة التصنيع ونقل الإنتاج - وإنعاش الصناعات أو الصادرات الوطنية على نطاق واسع - أكثر قابلية للتحقيق في البلدان الملتزمة بالأساسيات، لكنها غير مُحتملة في البلدان التي تستخدم إصلاحات سلسلة التوريد كنقطة نقاش سياسي. في واقع الأمر، لا توجد طرق مختصرة للتنمية الاقتصادية.

RELATED CONTENT

  • October 09, 2026
    Can Nigeria’s Dangote refinery help strengthen Africa’s energy security amid disruptions to global supply routes? This discussion considers how expanding local refining capacity can reduc ...
  • Authors
    Marie-Noelle Nwokolo
    October 6, 2026
    The author of this opinion, Marie-Noelle Nwokolo, is a 2024 alumna of the Atlantic Dialogues Emerging Leaders Program.In September 1978, delegations from 138 countries gathered in Buenos Aires, Argentina, around a powerful idea: developing countries had knowledge, experience and capabilities worth sharing with one another. The Buenos Aires Plan of Action gave institutional form to what we now call South-South Cooperation, part of a wider post-colonial effort by developing ...
  • Authors
    Andy Sumner
    Stephan Klingebiel
    September 4, 2026
    This Paper was originally published on cgdev.org. Escalatory attacks on multilateral rules and institutions in this era of raw power politics have plunged international politics into uncharted territory. Traditional alliances have been fractured and new partnerships between unlikely bedfellows are emerging. No longer in transition, the post-World War II world order is in rupture. This paper examines international cooperation under these conditions and argues that a new "flexi-l ...
  • Authors
    Meryam Amarir
    August 13, 2026
    Les crises récentes au Moyen-Orient, notamment les attaques ciblant les navires commerciaux en mer Rouge et les tensions autour du détroit d'Ormuz, ont mis en évidence la vulnérabilité des principaux corridors stratégiques du commerce mondial. Plus qu'un bouleversement de l'organisation des échanges, elles accélèrent une transformation déjà engagée, fondée sur la recherche de chaînes de connectivité plus résilientes, la diversification des itinéraires commerciaux et le développement ...
  • Authors
    Meryam Amarir
    August 13, 2026
    Recent crises in the Middle East, particularly attacks targeting commercial vessels in the Red Sea and tensions surrounding the Strait of Hormuz, have highlighted the vulnerability of the main strategic corridors of global trade. Rather than fundamentally disrupting the organization of trade flows, these crises are accelerating an ongoing transformation driven by the search for more resilient connectivity chains, the diversification of trade routes, and the development of logistics ...
  • August 3, 2026
    This policy paper explores how China’s economic development model—rooted in pragmatism, long-term planning, and civilizational renewal—has become its most compelling soft power asset, particularly in the eyes of the Global South. While critically engaging with Joseph Nye’s original conception of soft power as a primarily cultural and normative force, the paper argues that China’s ability to transform itself from an impoverished postimperial state into the world’s largest trading nat ...
  • Authors
    July 31, 2026
    Ethiopia continues to struggle to lay the economic foundations of food security for all, more than 30 years after first adopting the East Asian Developmental State Model (EADS) under Zenawi (1911-2012), continued under Hailemariam Desalegn (2012-April 2018), and later shifting toward a neo-liberal, Washington consensus-oriented approach under Abiy Ahmed (2018-present). The achievements recorded under the EADS approach—particularly double-digit annual growth, substantial poverty ...
  • Authors
    July 28, 2026
    The term “K-shaped recovery” was introduced to describe the economic recovery from the recession triggered by the Covid-19 pandemic. It refers to the uneven and divergent growth pattern between leading industries or sectors (the upper arm of the letter K—mainly the high-technology sector) and laggards, or the rest of the economy (the lower arm—the traditional industries). Since then the term has become popular in portraying divergent growth patterns within and between countries, esp ...
  • July 3, 2026
    Este Policy Paper también ha sido publicado en inglés y francés por Le Grand Continent La economía marroquí constituye un caso ilustrativo entre las economías de renta media, en un contexto marcado por una creciente fragmentación del entorno internacional, un crecimiento mundial anémico y una desaceleración de la convergencia. Desde 2022, su trayectoria se caracteriza por una relativa solidez, con un crecimiento superior a la media de las economías de la misma categoría. Superi ...